untitled

ذاكرة للنسيان

٢١ نيسان ٢٠٢٦

التلاشي

تفاعل نصي مع كتاب "ذاكرة للنسيان: للشاعر محمود درويش

نص: المنذر الدمني

التقطت كتاب "ذاكرة للنسيان" بعد أن أمسكتُ برأسي لمدة طويلة لم أُدرك مداها، التقطت الكتاب كمحاولة للابتعاد عن نوبة هلعٍ بدأت تهزمني، بدأت تشل حركتي وتسيطر على أنفاسي، "ذاكرة للنسيان" هذا ما أحتاجه ربما… ما الذي أحتاجه تمامًا؟ الذاكرة أم النسيان؟ تمالكت نفسي، أدركت وحدتي المطلقة في شقتي في بيروت، وبدأت أقرأ… يا ألهي إن درويش يكتب عن وحدته في بيروت خلال القصف الإسرائيلي سنة 1982، شعرت به جالسًا بجانبي صامتًا، أردتُ أن أحدثه ولكن لم أستطع، مازالت نوبة الهلع تسيطر على جسدي وكلامي، ولكن تحررت ذاكرتي فجأة: لقد عدت إلى بيروت منذ أسبوع… لقد قصفت بيروت منذ فترة قليلة، كنت فيها في عمّان أكتب نصي الجديد، تابعت الحرب هناك في صمت عمّان الغاضب، في سخريتها المكلومة، خفت على مكتبتي على أصدقائي على حياتي هناك، شعرت وقتها وكأنني أخون المدينة التي أحب… عدتُ إلى دمشق… توقف القصف… وسقط النظام في سوريا، لقد رقصنا على تمثال الطاغية، بكينا وركضنا… وعدتُ إلى بيروت واسرائيل تحتل جنوب سوريا. لا أدري لماذا تذكرت هذا فقط، فقد ضعت في ثلاثة مدن في لحظة يجلس أمامي محمود درويش وأنا غير قادر على الكلام، يسرد ذاكرته عن الحرب، وتعود لي ذاكرة قريبة مدركًا أنني لن أعرف ماذا نسيت… فالنسيان معنيٌّ بالتلاشي، هناك الكثير في فضاء التلاشي، لعله يستحق أن يروى أكثر مما هو موجود في فضاء الذاكرة، هل أنا في فضاء التلاشي ودرويش في فضاء الذاكرة؟ لا أدري ولكننا نحن الاثنين غائبان عن الحاضر وحيدان في شقة في بيروت.

….

يتحدث درويش عن قهوته، عن خلودها وقوتها، عن المعنى في طعمها وطقسها ورائحتها… وجدتها، القهوة هي من ستنقذني من هلعي، هي من ستفتح الحوار مع درويش، سأصنع له القهوة ونتحدث عنها، لعل هذا يخفف من قسوة اللطمة، نهضت، استطعت التحرك، ابتسمت، بدأت بطبخها، تأملت المياه وهي تتبخر وتتلاشى، حسدتها، وبدأت الرائحة بالسيطرة عليّ، تذكرت أول مرة أشم فيها رائحة القهوة، كانت سنة 2008، كان عمري 10 سنوات، أبي يشرب القهوة، وأنا أشاهد أخبار القصف الإسرائيلي على غزة، رأيت أطفال تُقتل، نهضت بسرعة وقتها ودفنت رأسي في المخدة وبكيت حتى النوم، لعل هذه لم تكن الذكرى الأولى فقد سبقها الكثير من الذكريات التي تلاشت، تلاشى كل شيء وبقيت دموعي محفورة على المخدة كندبة أبدية، وجثث أطفال في ذاكرتي، ورغبة دفينة عندي في إصلاح العالم، تفجرت عندما قرأت رواية البؤساء ل فيكتور هوغو، عندما بدأت الثورة في سوريا، كنت طالبًا في المدرسة، كنا نخرج بعد الدوام لنصرخ ونحلم بحرية لا نعرفها، ولا ندرك معناها، ولم تكن لدينا أي فكرة عن انهيار العالم القادم… بقيت دمعتي وسقطت في القهوة، خفت من أن يكون ملحها أكثر من مرّها، لهذا شربتها وحدي في المطبخ تاركًا درويش وحده في الصالة.

….

يتحدث درويش عن غضب السماء وجنونها، يتحدث عن رغبته في الموت في الطريق وليس تحت الأنقاض، كيف للسماء أن تغضب؟ كيف للطيور فيها أن تسقط نارًا كيف للسماء أن تمطر نارًا بدلًا من المياه؟ هل تبخرت المياه مع القهوة؟ وبقيت نار الغليان، لقد انهار العالم حقًا، كنت في بيروت وحيدًا في شقتي وأنا أشاهد مشاهد القصف على غزة، أطفال تموت تحت الركام، أحلام وآمال تحولت إلى أرقام، لقد انهار العالم حقًا وبيوت الجنوب في لبنان تحترق مع سكانها وزيتونها، لقد انهار العالم حقًا، في وحدتي تذكرت أن ما تعيشه غزة الآن هو مصيرها، تذكرت أنني أعرف معنى القصف تمامًا، تذكرت تلاشي الثورة وتحولها لحرب طاحنة، أتذكر في عمر ال10 سنوات وأبي بقول لي أن الطيور عندما تخرا علينا فإن رزقة تنتظرنا، وبدأ يضحك بسخرية، أتذكر خرا العصافير التي دمرت بيوتًا وقتلت بشرًا ولكن هذا لم يكن مضحكًا بالنسبة لي، بل بدأت بمناهضة الحرب، فقال لي والدي وأنا في عمر ال17 سنة "انت متل عصفور اتسطح على ضهرو ورفع رجليه لأنو سمع أنو السما رح تهبط على الأرض، وقال بعمل يلي عليي" وضحك ساخرًا مرة أخرى، أتمنى لو أنه كان معي اليوم لأقول له بأن هناك الكثير من العصافير التي ترفع أقدامها لتحمي الأرض من غضب السماء، عدت إلى الصالة لأتحدث مع درويش عن تلاشي الذاكرة، عن حاضره وماضيّ عن ذكراة القصف والوحدة، عن جدوى البقاء والكتابة، عن اسرائيل التي سرقت أعمارنا، نظر إليّ للمرة الأولى وقال لي أنه لم يعد هناك مياه، تذكرت بأنها تخبرت، قال لي لم يعد هناك مياه لكي نغسّل الموتى، والموتى يغسّلون بدمائهم.

****

تحاصرت مرة أخرى ضمن نوبات الهلع، المجازر تُرتكب الآن وأنا أحادث درويش في عقلي، مجازر طائفية باسم ثورتنا، أي انتهاك ذاك، إننا نُقتل مرتين، لا يمكن هذا أن يكون ثورتنا، ففي اليوم الذي سقط النظام به ظهروا منبوذو العالم، ظهرت صور المفقودين والمعتقلين والشهداء، وامتلأت الساحات العامة بصورهم كأجمل تعبير عن الاحتجاج السياسي في وجه ثقافة الانتصار، فالانتصار آفة الثورات، الانتصار يظلم منبوذي الأرض حطب الثورات وأسبابها وأهدافها، منبوذي الأرض الذين يقتلون ويختفون بلا مجد بطولي وبلا مجد الذاكرة، يتلاشون مع الماء المفترض أن يغسّلهم من دمائهم… بكيت مرة أخرى وغرقت في منزلي ووحدتي بدموعي المالحة، تلاشى دوريش وهو يحدثني عن البحر صرخًا "هذا البحر لي" صرخ: "أنا لم أمت بعد" واختفى وغرقت في بحري أنا دون مقاومة، غرقتُ وبقيت كلماته في رأسي كالقرآن الذي سينقذني من التلاشي:

"البحر يمشي في الشوارع. البحر يتدلّى من النوافذ وأغصان الشجر اليابس. البحر يهبط من السماء ويدخل الغرفة.. أزرق.. أبيض.. زبد.. موج. لا أحب البحر.. لا أريد البحر، لأنني لا أرى ساحلًا، ولا حمامة.. لا أرى في البحر غير البحر.. لا أرى ساحلًا. لا أرى حمامة".