
سوسيولوجيا حرف الجيم في المحكيات اليمنية
خديجة الحبشي
حين أتحدث مع أبناء صنعاء، يخرج حرف الجيم مختلفًا من فمي، لا أقرر ذلك، ولا أنتبه إليه لحظتها، لكنني أنتبه إليه لاحقًا، حين أسمع نفسي في صوت شخص آخر. وحين أتحدث مع أبناء عدن تخرج الجيم بطريقة ثالثة. الجيم التي نشأت عليها تلك التي تتحول على لساني ياءً رقيقة ناعمة، فيصير "المسجد" مسيدًا و"الرجّال" ريّالًا تبقى في البيت، في مجالس الأسرة، وربما في الأحلام في كل مكان آخر، أتفاوض.
هذا المقال هو محاولة لفهم تلك المفاوضة.
"علاقات التواصل هي دومًا علاقات سلطة تتوقف، شكلًا ومضمونًا، على السلطة المادية والرمزية التي تشكل رصيد الأعضاء الذين يدخلون في هذه العلاقات" بيير بورديو، اللغة والسلطة الرمزية (1991)
"إن نطق الجيم يحتل أهمية قصوى في تصنيف اللهجات العربية الجنوبية" جان كانتينو، دراسات في علم الأصوات العربي (1960)
حرف الجيم في اليمن ليس حرفًا كباقي الحروف، هو رمز لساني متحرك يخرج بأشكال مختلفة في كل منطقة. ياءٌ ناعمة في حضرموت واديًا و ساحلًا فتنطق جيم صحيحة، وقافٌ ثقيلة في تعز تخرج من أقصى الحلق وتُشعِر من يسمعها وكأنها تُضغط من الداخل، وقافٌ أخف نسبيًا في عدن وأقرب للجيم المصرية، أما في صنعاء وعند قبائل الشمال فتُنطق جيمًا صحيحة خفيفة، وفي يافع حالة صوتية فريدة، فالجيم تُنطق G والقاف تُنطق غينًا والغين تُنطق قافًا، في تبادل منتظم نادر في اللهجات العربية. هذه الأصوات المتعددة لحرف واحد تحمل في طياتها دلالات جغرافية وسياسية وطبقية وجنسانية لا تُدرك بالأذن وحدها
لا بد قبل المضي قدمًا، أن نحاول توضيح خطأٍ شائع، كثيرًا ما يُقال "القاف تُنطق جيمًا في صنعاء"، وهذه الصياغة وإن كانت مفهومة في الاستخدام اليومي فإنها تُخفي تعقيدًا صوتيًا مهمًا. ما يجري في صنعاء هو أن الجيم الأصلية يُحتفظ بها ولا تُحذف، لكنها تُلفظ غير معطشة، خفيفةً قريبةً من حرف G في الإنجليزية وهو ذاته الصوت الذي يقوم مقام القاف الفصيحة. أي أن الصوت G يؤدي وظيفتي الحرفين معًا، وهو ما رصدته واتسون (2002) في دراستها التفصيلية عن الصوتيات الصنعانية. المسألة إذن ليست استبدال القاف بالجيم بل هي نظام صوتي مختلف تنتمي إليه الجيم والقاف معًا تحت مظلة صوت واحد وما يجعل حرف الجيم بؤرة هذا المقال هو أن الاختلافات اللهجية اليمنية تتمحور حول طريقة نطقه تحديدًا لا طريقة نطق القاف وحدها وأن هذا الحرف بتنوعاته الخمس هو المؤشر الصوتي الذي يحمل أكثر الدلالات الاجتماعية في المحكيات اليمنية.
يَعُدّ اللسانيون حرف الجيم، وما يتحقق منه في اللهجات، من أكثر الظواهر الصوتية العربية حساسيةً للتوزيع الاجتماعي والجغرافي. وقد ميّز هولز (2004) بين أشكاله الرئيسية في اليمن. في صنعاء والشمال تُحتفظ بالجيم الأصلية صحيحة (dʒ). في تعز تفقد الجيم تعطيشها وتُنطق صوتًا انفجاريًا ثقيلًا قريبًا من القاف. في عدن تُنطق كذلك، لكن أخف من تعز وأقرب إلى G. أما في حضرموت واديًا فتتحول الجيم ياءً (j) اما ساحلاً فتنطق (j)في معظم الكلمات. وفي يافع ظاهرة فريدة موثقة لسانيًا؛ الجيم تُنطق G، ويرافقها تبادل منتظم بين الغين والقاف نادر في اللهجات العربية. وتكشف الحالة اليمنية أن هذا التنوع لا يمكن ردّه إلى ثنائيات جاهزة كالحضر والبادية، كما سنرى الآن.
قبل أن نُحمّل الجيم اليمنية أثقال السياسة الحديثة، لا بد من التوقف عند شاهد تاريخي نادر يُذكّرنا بأن هذا التعدد الصوتي ليس وليد الصراعات المعاصرة ولا أثرًا من آثار الوحدة أو الانقسام أو الحرب بل هو موروث عميق موثّق قبل ألف عام.
الحسن بن أحمد الهمداني (280-360هـ / 893-971م)، الذي أطلق عليه المؤرخون لقب "لسان اليمن"، لم يكن عالمَ أنساب وجغرافيًا وشاعرًا وفلكيًا فحسب، كان وفق ما يرى الدكتور مقبل التام الأحمدي "لعله أول من وثّق لهجات أهل اليمن على نحو لغوي صحيح"، بعيدًا عن منكرات معجميّي العرب الذين كما يقول الدكتور مقبل، "التزموا تدوين العربية بين عُليا هوازن وسُفلى تميم، فضيّقوا بذلك واسعًا، وأضاعوا معجمًا عربيًا نفيسًا يتعلق بالحضارة والعمارة والزراعة والصناعة، وموادّ هذه المجالات كانت مقصورة على اليمن، إذ كان جل العرب سواهم بداةً وأهل ماشية"، هذا النقد يكشف شيئًا جوهريًا؛ التراتبية اللهجية التي نعيشها اليوم بين "الفصيح" و"العامي" لها جذر تاريخي في قرار سياسي لغوي اتُّخذ قبل قرون، حين حُدِّدت العربية "الصحيحة" بمعيار قبائل بعينها وأُقصيت معجمات اليمن وحضارتها.
في كتابه "صفة جزيرة العرب" خصّص الهمداني بابًا كاملاً لـ"لغات أهل الجزيرة"، قسّم فيه اليمن إلى مناطق "الحميرية القحة المتعقدة"، ومناطق فصحاء، ومناطق تعد خليطًا متوسطًا بين الفصاحة واللكنة، ومناطق تتحدث الحميرية (اللغة السامية الجنوبية التي سبقت العربية في هذه الأرض)؛ ووصف من لا يزال يتحدثها بـ"الغتمة" أي غير الفصيح بالمعيار العربي. هذه الثنائية بين "الغتمة" و"الفصاحة" هي أقدم توثيق عربي لما نسميه اليوم "تراتبية اللهجة" التي حكمت بأن ثمة لسانًاً يُعدّ معيارًا وآخر يُعدّ دونه؛ والأهم أن الهمداني يكشف أن التعدد الصوتي في اليمن أقدم من كل الدول التي قامت على أرضها، وأن من يريد فهم جيم اليمن اليوم لن يجد أصولها في معاهدات الوحدة ومؤتمرات السلام، بل في طبقات جيولوجية من التاريخ اللساني تمتد لما قبل الإسلام.
لكي نفهم لماذا أصبحت الجيم الخفيفة لهجة السلطة في اليمن الشمالي، لا بد من الرجوع إلى السادس والعشرين من سبتمبر 1962 حين أعلن الضباط الأحرار قيام الجمهورية وإسقاط الإمامة الزيدية، لم يكن هذا الانقلاب عسكريًا وسياسيًا فحسب بل كان لسانيًا أيضًا. قبيلتي حاشد وبكيل اللتان شكّلتا العمود الفقري للجمهورية الوليدة، بتحالفاتهما الواسعة في الهضبة الشمالية، تتحدثان بالجيم الخفيفة. وحين شرع الضباط الجمهوريون في بناء مؤسسات الدولة الحديثة -الجيش النظامي والأجهزة الاستخباراتية والإذاعة الوطنية والقضاء المركزي والإدارة المدنية- حملوا معهم لهجتهم إلى كل هذه المؤسسات دون أن يُعلنوا ذلك.
لم يكن ثمة قرار رسمي لهذا التحول؛ لكن ما جرى يشرحه بورديو في "اللغة والسلطة الرمزية" حين تُهيمن مجموعة بعينها على حقل السلطة، تُصبح لهجتها معيارًا ضمنيًا لا معلنًا يتسرب إلى كل الفضاءات الخاضعة لهيمنتها. اكتسبت الجيم الخفيفة رأسمالها الرمزي لا لأنها أفصح أو أصوب صوتيًا، بل لأن أصحابها يملكون مقاليد الحكم.
وهنا تكمن المفارقة التي يجب الوقوف عندها. صحيح أن جيم صنعاء هي الأقرب إلى الفصحى، لكن ليس هذا ما منحها مكانتها؛ فالفصاحة وحدها لا تصنع معيارًا. ما منحها رأسمالها الرمزي هو أن أصحابها يملكون مقاليد الحكم. وفي المقابل، لم تُهمَّش جيم تعز الثقيلة وجيم عدن الأخف منها لبعدهما عن الفصحى، بل لأن أصحابهما خارج مركز السلطة، فباتتا في بعض السياقات السلطوية علامةً على الجنوبية والغرابة. هذا بالضبط ما يعنيه بورديو بـ"السوق اللسانية"؛ قيمة الحرف لا تأتيه من جودته الصوتية، بل من موضع مُنتِجه في الحقل الاجتماعي. المسؤول الجنوبي الذي ينطق جيمه قافًا في اجتماع حكومي صنعاني يُعرَّف من لهجته قبل كفاءته، ولحظة التوقف الصغيرة تلك، حين تُسمع جيمه، تحمل من المعنى الاجتماعي ما لا تحمله أي وثيقة.
ولا تعمل الجيم الخفيفة في الشمال في عزلة عن منظومة رمزية أوسع؛ الرجل القبلي الشمالي لا تُعرَّفه لهجتُه وحدها بل مجموعة من العلامات يحملها على جسده وفي كلامه: الفوطة المُعقودة بطريقة بعينها، والجنبية المعلّقة على الوسط كرمز للشرف والكرامة القبلية، والبندقية في المناسبات والنزاعات، والقصيدة في مجالس الفصل والصُلح. الجيم الخفيفة خيط رابط في هذه المنظومة، لا هي اختيار صوتي فحسب بل إعلان انتماء لعالم قيمي قوامه العزوة والأرض والعرف، ولا يقتصر هذا على البادية؛ أهل صنعاء القديمة في أحيائها العريقة يتحدثون بها بمعزل عن انتمائهم القبلي المباشر، فقد استوعب المدينة جذرها القبلي وحوّلته إلى هوية حضريةـعاصمية مركّبة. والنتيجة أن الجيم الخفيفة تحمل ثقلًا مزدوجًا: ثقل القبيلة وثقل العاصمة معًا.
في مقابل هذا المشهد الشمالي، لا يمكن فهم القاف الثقيلة العدنية بمعزل عن تاريخ عدن نفسها، احتلتها بريطانيا عام 1839 ولم تغادرها إلا عام 1967، مئة وثمانية وعشرين عامًا خلقت من عدن مدينة كوزموبوليتانية لا نظير لها في اليمن، هنود وباكستانيون وصوماليون وأحباش، ومن اليمن نفسه تعازية ويافعيون وحضارم وأبناء قبائل الشمال؛ هذا الخليط أنتج لهجة عدنية تعكس مسارات الاحتكاك والاستيعاب. دخلتها كلمات إنجليزية وهندية وسواحلية تسربت عبر عقود التجارة، وصار قلب الثاء تاءً من أبرز سماتها. لكن القاف بقيت راسخة كأنها المرساة التي يمسك بها العدني عروبته وسط طوفان اللغات؛ وحين استقلت جنوب اليمن عام 1967 وأعلنت الجمهورية الديمقراطية الشعبية ذات التوجه الاشتراكي، لم تضغط الدولة الجديدة نحو توحيد لهجوي على نمط معين المشروع الاشتراكي بتركيزه على الهوية الطبقية بدلًا من القبلية ترك هامشًا للتنوع اللهجي أوسع مما أتاحه الشمال، وهذا أمر يستحق الإشارة.
أما تعز العاصمة الثقافية لليمن فلها نطقها المستقل لحرف الجيم الذي يجعل التعزي معرَّفًا فورًا في أي تجمع يمني، وللضالع كذلك نطق الغين الخاص بها الذي يميّز أبناءها؛ أما تهامة، الشريط الساحلي الغربي الممتد من الحديدة شمالًا حتى باب المندب، فلهجتها التهامية عالم صوتي مستقل لم يحظَ بالدراسة الكافية، وهو سؤال مفتوح تعيق الحرب الإجابة عنه ميدانيًا. ما يجمع هذه المناطق جميعها هو أن نطق الجيم فيها يصبح علامة هوية يحملها أبناؤها معهم حين يتحركون وهذا ما حدث مع التعازية حين ذهبوا إلى صنعاء لا بوصفهم مهاجرين بل بوصفهم معلمين؛ فتعز التي كانت عاصمةً لليمن في عهد الدولة الرسولية (1229-1454)، والتي عرفت النهضة التعليمية قبل صنعاء بقرون، أمدّت العاصمة الشمالية بجيل من المعلمين والمعلمات حين لم تجد صنعاء من يُعلّم في مدارسها، بطبيعتها القبلية التي ترى في تعليم البنات حرجًا اجتماعيًا. التعازية في مدارس صنعاء لم يكونوا يُعلّمون المناهج فحسب، بل كانوا يُقدّمون نموذجًا حيًا لعلاقة مختلفة مع المعرفة والفضاء العام، وكانت قافهم الثقيلة تُسمع في كل صف، هذا التلاقح التعليمي اللساني المبكر أسّس لحضور صوتي تعزي في صنعاء سابق للنزوح وأعمق منه.
وإذا كان للتاريخ التعليمي دور في تشكيل المشهد اللساني الصنعاني، فإن للجغرافيا التجارية دورٌ أعمق في تشكيل الياء الحضرمية. منذ القرن الرابع عشر الميلادي بدأ أبناء الطريقة العلوية "الباعلوية" من حضرموت التوجه إلى الأرخبيل الملايوي-الإندونيسي عبر الهند، جامعين بين التجارة ونشر الإسلام. هؤلاء الحضارم كانوا متعددي اللغات تجارًا وبحارة وعلماء دين وقادة نسجوا على مدى القرون علاقة تشابك وتكوين متبادل مع العالم الملايوي، وقد برزت في سنغافورة وإندونيسيا أسر كالكاف والسقاف والجنيد وبن طالب، أثرى العائلات وأكثرها نفوذًا، بينما في ماليزيا تولى كثيرون منهم مناصب دينية ومدنية رفيعة. قرون من هذا التلاقح أنتجت أثرًا صوتيًا موثقًا، الجيم الحضرمية بدأت في سياقات معينة تميل نحو الياء؛ "المسجد" صار "مسيدًا"، و"الرجال" صاروا "ريّالًا"، وهو تحول يوثّقه الباحثون كأثر مباشر لقرون من الاحتكاك مع الملايوية والجاوية؛ بل إن حركة الإصلاح الديني الإسلامي انتقلت من مجتمعات حضرمية في جاوا عائدةً إلى جنوب الجزيرة العربية، ما يكشف أن التأثير كان في الاتجاهين.
هذه الياء التي ولدت من المحيط الهندي وطرق التجارة تشمل حضرموت واديًا وساحلًا معًا، وهذا ما يُثير دهشة من يتوقع أن تكون الياء خاصة بالوادي المستقر دون الساحل المنفتح. غير أن الدراسات اللسانية الحضرمية تُثبت أن تحول الجيم ياءً سمة تجمع البيئتين، وإن كانت تتفاوت في درجتها ومواضعها؛ ما يُفرّق الوادي عن الساحل ليس وجود الياء من عدمه بل طبيعة الصوت المحيط بها. وادي حضرموت تريم وسيئون وشبام ودوعن، يعرف الياء بوصفها لهجة الطبقة الحضرية المستقرة من أهل العلم والتجارة القريبة، أسر اشتغلت بالفقه والطريقة الصوفية والتجارة عبر القرون. أما ساحل حضرموت فقد احتكّ مباشرة بالعالم الخارجي عبر الموانئ والسفر البعيد، فجاءت ياؤه مصحوبة بمفردات دخيلة من الملايوية والجاوية والسواحلية تجعل لهجته أكثر تركيبًا وأقل نقاءً بالمعنى اللغوي وهو ما يُثري لا ما يُنقص.
لا يمكن فهم الياء الحضرمية في المهجر دون الحديث عن مدينة جدة السعودية. تُعرف جدة في الأوساط الحضرمية بـ"حضرموت الثانية" ليس مجازًا بل وصفًا لواقع ديموغرافي حقيقي شكّله الفقر تاريخيًا في حضرموت الذي دفع أبناءها إلى الحجاز منذ القرن التاسع عشر، حيث استقرت أسر حضرمية أصيلة كان لها أثر بالغ في المجتمع السعودي، خاصة في الحجاز ومكة والرياض. أحياء بأكملها في جدة تتحدث بالياء الحضرمية، وأسواق لا تكاد تسمع فيها غيرها، لكن هذا المهجر القريب عرف زلزالًا بنيويًا في عام 2017 حين أطلقت السعودية حملة السعودة عبر عدة قطاعات اقتصادية، فغادر عشرات الآلاف من المغتربين اليمنيين وكثير منهم رجال أعمال وتجار من الحضارم، وُلد بعضهم في جدّة وعاش أبوه فيها وجده، مضطرين إلى العودة، وكانت حضرموت وجهتهم الأكثر شعبية. هؤلاء العائدون حملوا معهم ياءً مختلفة، ياءً تشربت من الاحتكاك بلهجة الحجاز ونجد والخليج عقودًا، وعادت إلى الوادي حاملةً طبقات صوتية جديدة. الطفل الذي نشأ في جدة وعاد إلى سيئون لا ينطق الياء كجده الذي لم يغادر الوادي، ياؤه مختلفة، ومن يُصغي جيداً يسمع الفرق.
هذا التلاقح المُعاش داخل حضرموت تصاعد بشكل لم يسبق له نظير بعد عام 2015 حين جعلت الحرب من حضرموت بأمانها النسبي وجهةً للنازحين من كل محافظات اليمن؛ عدنيون يلفظون الجيم قافًا جلسوا في أسواق المكلا وسيئون يتحدثون مع حضارم يلفظون الجيم ياءً، اللقاء لم يكن مجرد لقاء صوتين بل لقاء عالمين: عالم الميناء والاستعمار والاستقلال الجنوبي مع عالم الوادي والهجرة والطريقة الصوفية، ويُضاف إلى هذا التزاوج الذي نشأ بين العائلات النازحة والعائلات الحضرمية اندماج بنيوي عميق يجري في المطابخ، والتكك، والحواري والمدارس وحضانات الأطفال وحتى غرف النوم؛ الطفل الذي تنطق أمه قافًا وأبوه ياءً لن يختار أحدهما سيخترع شيئًا بينهما لم يسمعه الوادي من قبل.
حين سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على وادي حضرموت ومدينة سيئون في ديسمبر 2025 في عملية "المستقبل الواعد"، كانت ردود الفعل الحضرمية متباينة بعمق. بعضهم رأى فيها نهاية لعقود من نفوذ القوى الشمالية على مقدرات المحافظة، وبعضهم الآخر رأى فيها استبدال وصاية بوصاية فرضها قادمون من خارج حضرموت وإن جمعتهم هوية "الجنوب". هذا التباين وحده علامة على معضلة الهوية الحضرمية التي يعيشها كل حضرمي في أعماقه؛ حضرموت تشعر بأنها جنوبية لكنها ليست عدن، وهي يمنية لكنها ليست صنعاء، هي دائمًا شيء يصعب تصنيفه في الثنائيات الجاهزة التي تتقاتل عليها السياسة اليمنية.
لكن للحدث وجهٌ لسانيٌ لا تقرؤه البيانات السياسية داخل الوادي الحضرمي في أيام قليلة، أفراد من عدن والضالع ولحج وأبين وشبوة، كل منهم يحمل جيمه أو قافه أو غينه، دخل بهم طيف صوتي لم يجتمع هكذا من قبل في قلب الوادي ولا أحد يعرف بعد كيف ستُعاد رسم خارطة الجيم في حضرموت بعد هذا، لكن ما تكشفه دراسات تلامس اللهجات هو أن الحضور البشري المكثف يُنتج احتكاكًا صوتيًا يترك أثرًا في الأجيال اللاحقة. حتى حين ينسحب الجنود، تبقى بعض أصواتهم.
هذا التناوب اللهجي الذي يحدث يوميًا في الشارع وفي البيت وفي مكان العمل، ليس ظاهرة يمنية استثنائية بل هو ما يُسميه اللسانيون "التناوب الرمزي" (code-switching)، وقد وثّقه الباحثون في سياقات عربية متعددة؛ تقول ميرز-سكوتون وبولونياي (2001) إن تبديل الأصوات اللهجية يخضع لحسابات ضمنية تتعلق بـ"التكلفة والمنفعة" الاجتماعية في كل تبادل لساني، لكن ما لا تستطيع الدراسات الكمية رصده هو التكلفة الوجدانية لهذا التناوب حين يصبح يوميًا؛ كل مرة يُعدّل فيها المتحدث صوته دون قرار واعٍ يستنزف شيئًا ما، وأكثر ما يُنهك هو أن حد الوعي بالتعديل يتراجع مع الوقت. يُسمّي بورديو هذا "الهابيتوس اللساني" (linguistic habitus)، استدخال القواعد الاجتماعية في الجسد حتى تصبح جزءًا من "الطبيعة" المكتسبة.
يعمل هذا التناوب في اليمن بأبعاد جنسانية خاصة تختلف عمّا رصده مقال شاكر جرّار في السياق الأردني، ففي عمّان أفضت الديناميكيات اللسانية بحسب أبحاث إنعام الور (2011) وياسر سليمان (2004) وجوزيف مسعد (2001) إلى تقسيم جنساني حاد؛ الجيم الخفيفة للرجال والهمزة للنساء. في اليمن الصورة أقل حدةً في هذا البُعد؛ المرأة الصنعانية تتحدث بجيمها الخفيفة كالرجل الصنعاني، والمرأة العدنية تحتفظ بقافها. لكن البُعد الجنساني يعمل بطريقة أكثر خفاءً في البيئات القبلية الشمالية، الجيم الخفيفة جزء من منظومة الرجولة القبلية الكاملة، الفوطة والجنبية والشعر والكلام حزمة واحدة، الرجل الذي يتخلى عن جيمه في محضر قبليين قد يواجه حكمًا رمزيًا ضمنيًا يطعن في صلابته الاجتماعية، في حين لا ينطبق هذا على المرأة بالدرجة ذاتها. هذا يعني أن الرجل يحمل عبئًا لسانيًا أثقل في الحفاظ على جيمه كمعرّف للانتماء، وهذا العبء ليس امتيازًا بل قيدًا يُضيّق هامش حريته في التناوب مقارنةً بالمرأة؛ وعلى النقيض، رصدت باحثات في الفضاء الثقافي اليمني أن المبدعات والأكاديميات في الحواضر يملن نحو نطق أكثر فصاحةً كمنطقة محايدة تمنحهن سلطة معرفية تتجاوز التقسيمات اللهجية المحلية التي قد تحبسهن في أدوار ثقافية مسبقة وهذا يستحق تحققًا ميدانيًا دقيقًا لم يحدث بعد.
عام 1990 تاريخ سياسي معروف لكنه لحظة لسانية فارقة لم يشتغل عليها الباحثون بما تستحق، حين التقت الدولتان في دولة واحدة، التقت معهما خريطتان للجيم الخفيفة شمالية والثقيلة جنوبية، دون أي إدراج لهذا الاختلاف في أجندة الوحدة السياسية. ترك الأمر لعلاقات القوة أن تحسمه بطريقتها الصامتة؛ بعد حرب 1994 وهزيمة الجنوب العسكرية انعكس ميزان القوى على السوق اللسانية، المؤسسات التي باتت تهيمن عليها النخب الشمالية الجيش والأجهزة الأمنية والإدارة المركزية والقضاء هي مؤسسات الجيم الخفيفة، فيجد الجنوبي الراغب في الترقي داخل هذه المؤسسات نفسه أمام ضغط ضمني لا يُقال صراحةً في حاجز التفتيش حين يُصنّفك الجندي قبل أن تُخرج هويتك، وفي مكتب التوظيف حين تُقرأ قافك قبل شهاداتك، وفي الاجتماع حين تتوقف المحادثة للحظة قصيرة، يستحيل في هذا السياق ألا نتذكر ما يقوله ياسر سليمان في "حرب الكلمات" (2004) عن تأثير الصراع السياسي المسلح على إعادة تصنيف اللهجات وتوزيع رأسمالها الرمزي، فما رصده في السياق الأردني-الفلسطيني يتكرر بأشكال مختلفة في اليمن بعد 1994 وبعد 2015.
الأغنية اليمنية تعكس بشكل لافت غياب مشروع وطني لهجوي مركزي. في الأردن، استخدمت الدولة الأغنية الشعبية أداةً واعيةً لتوحيد اللهجة. اختُيرت سميرة توفيق، وأشرف مسؤولو الدولة على أن تُغنى الأغاني بلهجة بعينها كما يكشف مقال جرار. في اليمن لم يحدث هذا، أبو بكر سالم بلفقيه يغني بحضرميته كاملةً، وألحان بتعزيتها، والأغنية الصنعانية بعالمها الخاص؛ الجمهور اليمني في الداخل والمهجر يتقبّل هذا التعدد دون أن يطالب بمعيار موحد، وفي هذا التسامح العفوي درسٌ أعمق مما قد تحققه أي سياسة لغوية رسمية. غير أن التراتبية تعمل خارج الأغنية الإذاعات الرسمية حين تريد الرسمية تتحدث بالجيم الخفيفة، وحين تريد "التراث" تستضيف الياء والقاف في برامج الفولكلور؛ الفولكلور هو المكان الذي تضعه الدولة الحديثة فيه ما لا تستطيع إلغاءه ولا تريد الاعتراف بحضوره في راهنيتها.
قافُ اليمن، أو بدقة أكثر جيمُ اليمن بكل أشكالها ليست حروفًا أبدية ذات جوهر ثابت، هي تاريخية كلها بنات لحظاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، قابلة للتحول وقد تحولت فعلًا عبر القرون، ومحكومة دائمًا بمن يملك السلطة لا بمن يملك الصواب الصوتي. ما يجمع هذه الأصوات المتعددة، ياء الحضرمي وقاف التعزي وقاف العدني وجيم الصنعاني وتبادل يافع الفريد ليس صوتًا واحدًا بل واقع مشترك كل واحدة منها موضوعة في خارطة تراتبية لم تختر فيها موضعها، وكل متكلم بها يتفاوض مع هذه التراتبية في كل جملة يقولها واعيًا أحيانًا، وغير واعٍ في أغلب الأحيان.
في بلد يُعاد رسم خارطته البشرية كل يوم تحت وطأة الحرب والنزوح والتشرذم السياسي، اللهجةُ ليست خلفية حيادية للأحداث هي جزء منها، وعلامة على تحولات أعمق مما تستطيع أن ترصده الإحصاءات والخرائط العسكرية؛ الطفل الذي وُلد في حضرموت لأم عدنية وأب حضرمي عائد من جدّة لن تكون جيمه جيم أي من والديه ستكون جيمًا جديدة تحمل في داخلها طبقات من التاريخ لم تجتمع من قبل في فم طفل واحد.
جيم اليمن حية وكونها حية يعني أنها تتألم وتتكيف وتُفاوض وتتمرد وتتخفى وتُعلن؛ مثلها تمامًا كأصحابها.
* أنتِج هذا المقال ضمن المجموعة الدراسية " من هان لهون لغدٍ فاشل" التي يسرها الفنان أحمد الداود في مَماغ في ربيع ٢٠٢٦
-
خديجة الحبشي (Dija) | صانعة أفلام وثائقية وباحثة ترتكز ممارساتها الفنية على تقاطع الأرشيف، التراث الثقافي غير المادي، والأنثروبولوجيا البصرية، تتبنى المنهج التجريبي في البحث عن الأصول وتتبع تحولات الزمن، لتفكيك الأطر الاستعمارية المسلطة على ذاكرة الشعوب الأصلية والمحكيات المحلية، معتمدةً دراسة التقاطع بين الصورة، الموسيقى، اللسان، والأرشيف لإعادة الاعتبار للتاريخ الشفهي عبر الإنتاج السينمائي والتوثيقي.
-
المصادر: واتسون، جانيت. صوتيات وصرف اللغة العربية (The Phonology and Morphology of Arabic). أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2002. الأحمدي، مقبل التام. ديوان شعراء حمير. صنعاء: مجمع العربية السعيدة. (تحقيق ودراسة). الأحمدي، مقبل التام. تواصل شخصي، يونيو 2025. الهمداني، الحسن بن أحمد. صفة جزيرة العرب. تحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي. صنعاء: مكتبة الإرشاد، 1990 (الطبعة الأولى). الهمداني، الحسن بن أحمد. الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير. تحقيق محمد بن علي الأكوع. القاهرة: مطبعة السنة المحمدية. العواضي، حميد. «لهجات جزيرة العرب كما يصفها الهمداني». مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2010. بورديو، بيير. اللغة والسلطة الرمزية (Language and Symbolic Power). كامبريدج: بوليتي برس، 1991. سليمان، ياسر. حرب الكلمات: اللغة والصراع في الشرق الأوسط (A War of Words: Language and Conflict in the Middle East). كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 2004. مسعد، جوزيف. الاستمرارية الاستعمارية: الهوية الوطنية وعملية استمرار الاستعمار في الأردن (Colonial Effects). نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا، 2001. واتسون، جانيت. صوتيات وصرف اللغة العربية (The Phonology and Morphology of Arabic). أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2002. هولز، كلايف. العربية المعاصرة (Modern Arabic: Structures, Functions and Varieties). واشنطن: مطبعة جامعة جورج تاون، 2004. الور، إنعام وهيرن، برونو. دورة حياة القاف في الأردن (The Lifecycle of Qaf in Jordan). Langage et Société، العدد 138، 2011. كانتينو، جان. دراسات في الصوتيات العربية (Études de linguistique arabe). باريس: كلينكزيك، 1960. Myers-Scotton, Carol & Bolonyai, Agnes. "Calculating speakers: Codeswitching in a rational choice model." Language in Society 30(1), 2001